فصل: تفسير الآيات (88- 89):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (85):

{وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)}
قد تقدم تفسير نظير هذه الآية الكريمة ولله الحمد.

.تفسير الآيات (86- 87):

{وَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87)}
يقول تعالى منكرًا وذامًا للمتخلفين عن الجهاد، الناكلين عنه مع القدرة عليه، ووجود السعة والطَّوْل، واستأذنوا الرسول في القعود، وقالوا: {ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف، بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أَمْنٌ كانوا أكثر الناس كلامًا، كما قال الله تعالى عنهم في الآية الأخرى: {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19] أي: علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبن شيء، وكما قال الشاعر:
أفي السّلم أعيارًا جفَاءً وَغلْظَةً ** وَفي الحَرْب أشباهُ النّسَاءِ العَوارِكِ

وقال تعالى في الآية الأخرى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ} الآية [محمد: 20- 22].
وقوله: {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله، {فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} أي: لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه، ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه.

.تفسير الآيات (88- 89):

{لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)}
لما ذكر تعالى ذم المنافقين، بيَّن ثناء المؤمنين، وما لهم في آخرتهم، فقال: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا} إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم.
وقوله: {وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} أي: في الدار الآخرة، في جنات الفردوس والدرجات العلى.

.تفسير الآية رقم (90):

{وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)}
ثم بَيَّن تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد، الذين جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، ويبينون له ما هم فيه من الضعف، وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة.
قال الضحاك، عن ابن عباس: إنه كان يقرأ: {وَجَاءَ المُعْذَرُون} بالتخفيف، ويقول: هم أهل العذر.
وكذا روى ابن عيينة، عن حُمَيد، عن مجاهد سواء.
قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نَفَر من بني غفار منهم: خُفاف بن إيماء بن رَحَضة.
وهذا القول هو الأظهر في معنى الآية؛ لأنه قال بعد هذا: {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: لم يأتوا فيعتذروا.
وقال ابن جُرَيْج عن مجاهد: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ} قال: نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا فلم يُعذرْهم الله.
وكذا قال الحسن، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، والقول الأول أظهر والله أعلم، لما قدمنا من قوله بعده: {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار، ثم أوعدهم بالعذاب الأليم، فقال: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

.تفسير الآيات (91- 93):

{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (93)}
ثم بين تعالى الأعذار التي لا حَرَج على من قعد فيها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعَرَج ونحوهما، ولهذا بدأ به. ما هو عارض بسبب مرض عَنَّ له في بدنه، شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقره لا يقدر على التجهز للحرب، فليس على هؤلاء حَرَج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يُثَبِّطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
وقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة، رضي الله عنه، قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يُؤثِر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران- أو: بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة- بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا.
وقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء، فقام فيهم بلال بن سعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر من حضر: ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم، إنا نسمعك تقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} اللهم، وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقِنا. ورفع يديه ورفعوا أيديهم فَسُقوا.
وقال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر، عن ابن فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتبُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أكتب براءة فإني لواضعُ القلم على أذني إذ أمرْنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذا جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فأنزل الله {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى} الآية.
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَ الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مُغَفَّل المزني فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم: «والله لا أجد ما أحملكم عليه». فتولوا ولهم بكاء، وعزَّ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملا. فلما رأى الله حرْصَهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه، فقال: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} إلى قوله تعالى: {فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.
وقال مجاهد في قوله: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} نزلت في بني مقرن من مزينة.
وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عُمَيْر- ومن بني واقف: هَرَمي بن عمرو- ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، ويكنى أبا ليلى- ومن بني المُعَلى: سلمان بن صخر- ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد، أبو عبلة، وهو الذي تصدق بعرضه فقبله الله منه ومن بني سَلِمة: عمرو بن عَنَمة وعبد الله بن عمرو المزني.
وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عُمَير وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح، أخو بني سَلِمة، وعبد الله بن المُغَفَّل المزني؛ وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهَرَميّ بن عبد الله، أخو بني واقف، وعِرْباض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن الأودي، حدثنا وَكيع، عن الربيع، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد خلفتم بالمدينة أقواما، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديا، ولا نلتم من عدو نيلا إلا وقد شَركوكم في الأجر»، ثم قرأ: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} الآية.
وأصل هذا الحديث في الصحيحين من حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم مسيرًا إلا وهم معكم». قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «نعم، حبسهم العذر».
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديًا، ولا سلكتم طريقًا إلا شَركوكم في الأجر، حبسهم المرض».
ورواه مسلم، وابن ماجه، من طرق، عن الأعمش، به.
ثم رد تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنَّبَهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال، {وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.

.تفسير الآيات (94- 96):

{يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)}
أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم، {قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ} أي: لن نصدقكم، {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} أي: قد أعلمنا الله أحوالكم، {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} أي: سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا، {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: فيخبركم بأعمالكم، خيرها وشرها، ويجزيكم عليها.
ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون معتذرين لتعرضوا عنهم فلا تُؤَنِّبُوهم، {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ} احتقارا لهم، {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} أي: خُبثاء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، {وَمَأْوَاهُمْ} في آخرتهم {جهنم} {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: من الآثام والخطايا.
وأخبر أنهم وإن رضوا عنهم بحلفهم لهم، {فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} أي: الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة فُوَيسقة لخروجها من جُحرها للإفساد، ويقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من أكمامها.

.تفسير الآيات (97- 99):

{الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)}
أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، وأجدر، أي: أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، كما قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صَوْحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني فقال زيد: ما يُريبك من يدي؟ إنها الشمال. فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمين يقطعون أو الشمالَ؟ فقال زيد بن صوحان صدق الله: {الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ}
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وهب بن مُنَبِّه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى السلطان افتتن».
ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن سفيان الثوري، به وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الثوري.
ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فردَّ عليه أضعافها حتى رضي، قال: «لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قُرشي، أو ثَقَفي أو أنصاري، أو دَوْسِيّ»؛ لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن: مكة، والطائف، والمدينة، واليمن، فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب: لما في طباع الأعراب من الجفاء.
حديث الأعرابي في تقبيل الولد: قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْب قالا حدثنا أبو أسامة وابن نُمَيْر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبِّلون صبيانكم؟ قالوا: نعم. قالوا: ولكنا والله ما نقبِّل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَأمْلكُ أن كان الله نزع منكم الرحمة؟».
وقال ابن نمير: «من قلبك الرحمة».
وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، {حَكِيمٌ} فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل، لعلمه وحكمته.
وأخبر تعالى أن منهم {مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ} أي: في سبيل الله {مَغْرَمًا} أي: غرامة وخسارة، {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات، {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.
وقوله: {وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، {أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} أي: ألا إن ذلك حاصل لهم، {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}